دولة وهابية في سورية

تفجيرات القاعدة في حلب ودمشق ، القاعدة وتطييف الثورة ، آل سعود: دولة وهابية في سورية!

توفيق العباد

شأن بقية الثورات العربية، فإن الثورة الشعبية في سورية حملت مطالب عادلة مثل الحرية والديمقراطية والعدالة، ومن حقّ هذا الشعب أن ينعم بنظام ديمقراطي تعددي، يتساوى فيه الجميع، وتشارك فيه المكوّنات الاجتماعية والسياسية كافة..هذا الموقف لابد أن يكون واضحاً قبل أي حديث آخر. ما بعد ذلك، هناك كلام كثير عن الطارئين، والانتهازيين، والمصادرين للثورة الشعبية السورية.

نبدأ بحقيقة الدور السعودي في الثورة السورية، وننطلق مما قاله جون برادلي مؤلف كتاب (بعد الربيع العربي) في مقابلة مع قناة (روسيا اليوم) في 31 يناير الماضي، بأن )كراهية السعودية للنظام السوري تعود إلى أنه النظام العلماني الوحيد المتبقي في الشرق الأوسط(.. في الواقع أن سبب الكراهية هو غير ذلك..!

منذ اندلاع الثورة الشعبية السلمية في سورية، برزت ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ آل سعود والمجتمع الوهابي النجدي، فآل سعود الذي ينأون غالباً بأنفسهم عن التدخّل بصورة علنية في شؤون الدول الأخرى، الحليفة والمعادية، ويكتفون بتوفير كل أشكال الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي عبر قنوات سريّة أو عبر المشايخ أو الجماعات المرتبطة بهم، كما حصل في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في إبريل 2003، ويحصل في لبنان واليمن وبلدان عربية عديدة، فإن الثورة السورية وحدها حظيت باهتمام خاص بالنسبة لآل سعود، فقد أصدر الملك عبد الله بياناً بخصوص سقوط ضحايا من المحتّجين في المدن السوريّة، ثم ختمه باستدعاء السفير وأعقبها إجراءات متوالية لمعاقبة النظام السوري..

كما شاركت السعودية في اجتماعات الجامعة العربية بفاعلية لجهة استصدار قرار دولي للتدخل في سورية، وإسقاط النظام..بل كشفت صحيفة التايمز اللندنية في 27 كانون الثاني (يناير) الماضي بأن السعودية وقطر توافقان سرّاً على تمويل المعارضة السورية لشراء الأسلحة. ونقلت الصحيفة عن منشق سوري لم يكشف عن هويته قوله (إن الاتفاق السري بين قطر والسعودية وشخصيات من المعارضة السورية تمّ في أعقاب اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة الذي قررت خلاله الدول الخليجية سحب مراقبيها من بعثة مراقبي الجامعة العربية). وقال المنشق (إن السعودية تعرض مساعدتها بأي طريقة كانت). هذه لم تكن السعودية لمن يعرفها، سوى أن ثمة حالات تخرق فيها الخطوط الحمراء التي وضعتها لنفسها، فهي تتصرف في الحال السورية ليس بدافع سياسي ولا اقتصادي وإنما تتحرك في ضوء العقل الطائفي الذي يدير معاركها مع الآخر.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن يحصل التوافق هذه المرة بين كل الأطراف النجديّة، الوهابي بكل أصنافه المعتدل والمتشدّد، والعلماني المتهتّك، والقاعدي المتطرّف، إلى جانب الرسمي سواء كان من العائلة المالكة أو من حواشيها (إلى جانب بعض المستفيدين الذي يدخلون المعركة طلباً للمكافأة مثل بعض الإعلاميين غير النجديين)..فالجميع في الثورة السورية متّحد بل مستبسل في الانخراط فيها بكل قوة، ويعتبرها معركة فاصلة وحاسمة. ولابد من التنبيه هنا، ليست سورية، الثورة الشعبية والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والاستقلال والكرامة القومية هي المحرّك وراء الحماسة السعودية ـ الوهابية ـ النجدية، وإلا لوجدنا حضوراً لها في ثورات شعبية أخرى مثل تونس ومصر واليمن وليبيا (هل سقطت البحرين سهواً، نعم! في العقل الطائفي الوهابي).

لماذا تصبح التظاهرات في مصر وتونس غوغائية ومؤامرة من قبل الأعداء كما في فتاوى المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ صالح اللحيدان، فيما يصبح قتل ثلث الشعب السوري كيما يسعد الثلثان منه جائزاً كما في بيان اللحيدان، هل ذلك تعبير عن الحب لسورية ولشعبها، ولمساعدته في التخلص من النظام الاستبدادي الدموي وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، أم لغاية أخرى؟

وكما تحرّكت الغرائزية الطائفية بعد سقوط نظام صدام حسين في إبريل 2003، وصدرت البيانات تحت عنوّان طائفي (حماية أهل السنة في العراق)، يعاد اليوم تحريض ذات الغرائزية النتنة عبر عنوان الثورة الشعبية السوريّة، التي يؤسف إلى ما أصابها من تشوّهات متعمّدة من بعض المتطفّلين عليها عبر إثارة موضوع التدخل الدولي تارة وأخرى من خلال رفع شعارات طائفية تتوعّد بقتل وتهجير المواطنين السوريين من الطوائف الأخرى..

الحماسة قد لا تبدو بريئة، لأنها تتعارض مع الأيديولوجية الوهابية في التعامل مع الأنظمة السياسية القائمة أو إمارة المتغلّب أو الغلبة، فقد بالغ أتباع السلفية الوهابية في تحريم الخروج على الحاكم، أي حاكم، حتى وإن ظهر منه كفر بواح ظاهر للعيان، وتمسّكوا بمبدأ الصبر، وبذلك أقفلوا باب الثورة. بل شاع في أدبيات الوهابية تهم مثل (الحزبيين والثوريين)، في إشارة إلى أولئك المشايخ والدعاة الذين خرجوا عن تعاليم الوهابية وانخرطوا في العمل السياسي والحزبي في شكله الاحتجاجي.

ولفرط حماسة هؤلاء الأطراف في الانغماس في الثورة السورية غمروا الفضاء الإعلامي والشعبي بتصريحات ومواقف وفتاوى ومقولات حتى ينسوا الناس في الداخل قضيتهم وحقوقهم، في محاولة لخطف الرأي العام المحلي نحو ما يعتبرونها معركة في سورية وليست ثورة شعب يريد الحرية والديمقراطية والتخلّص من النظام الديكتاتوري، بل حتى الخصوم داخل الدائرة الوهابية النجدية بكل أطيافها توحّدوا فيما بينهم فلم تسمع مقولات المشايخ في الشيخ العرعور والتحذير منه ومن دروسه ومقولاته، بل صار حضوره ومن على شاكلته في القنوات الطائفية مثل (صفا) و(وصال) وأضرابهما ضرورياً في المعركة القائمة..فثمة أمنية عبّر عنها جمال خاشقجي في مقالة له بصحيفة (الحياة) اللندنية في 28 كانون الثاني (يناير) تحت عنوان (أفول الهلال الشيعي)، والذي يعني تفكّك معسكر يصطلح عليه أنصاره بـ (معكسر الممانعة) والممتد من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق وسورية، وتشكّل فيه الأخيرة الحلقة الإستراتيجية.

استعمال العنوان الطائفي يوحي بما هو ضامر في اللاوعي الوهابي، وإن كان جميع المراقبين والمعنيين متفقين على أن الهدف السعودي من وراء الانخراط المباشر والعلني والشامل في الأزمة السوريّة هو طائفي محض، وأن الشعارات التي انطلقت في بعض المدن السوريّة وخصوصاً حمص وحماة ضد إيران وحزب الله والشيعة بصورة عامة مستمدة من التراث الوهابي. وأن ما يخطط له الوهابيون هو بناء دولة وهابية في سورية، بذريعة أنها تحتضن أئمة السلفية مثل ابن تيمية وابن كثير..

القاعدة.. الحرب الطائفية!

لقد سبق أن بدأت مجموعات قاعدية مرتبطة بالأمير بندر بن سلطان العمل داخل الأراضي السورية، وشارك بعضها في معارك نهر البارد تحت تنظيم (فتح الإسلام) في العام 2007، بل تشير بعض التقارير إلى أنها نفس المجموعات التي نفّذت عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وكانت تتخذ من بعض الأوكار في المدن السورية مخابئ لها.

فقد قام انتحاري سعودي يعرّف باسم (أبو عائشة) بقيادة سيارة مفخّخة انفجرت في منطقة القزاز في دمشق بتاريخ 29 أيلول (سبتمبر) 2008، وأدّى الانفجار إلى مقتل 17 شخصاً وإصابة 65 بجروح، في رد فعل على أحداث سجن صيدنايا ومقتل شاكر العبسي أمير تنظيم (فتح الإسلام).

يرد في السياق نفسه البيانات الصادرة عن صالح القرعاوي، وهو سعودي، يتزعم كتائب عبد الله عزام التابعة للقاعدة في بلاد الشام. وفي مقابلة أجراها (مركز الفجر للإعلام) التابع لـ (كتائب عبد الله عزام) مع القرعاوي في شهر إبريل 2010، حول (رؤيته للصراع في بلاد الشام) جرى الحديث عن ساحتين: الجزيرة العربية (جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم بحسب نص المقابلة)، وبلاد الشام (معقل الطائفة المنصورة أرض الشام)، وأيضاً بحسب نص المقابلة.

البيانات التي كتبها القرعاوي بعنوان (ولتستبين سبيل المجرمين) تحوي الرؤية الوهابية حيال بلاد الشام، والتي يجري ترجمتها في الاحتجاجات السورية. فقد كثّفت البيانات من اللهجة الطائفية، باستعمال مصطلح (أهل السنة) التي ترددت أكثر من 131 مرة في البيانات الثلاثة الصادرة عن الكتائب. ما يلفت في البيان الأول لكتائب عبد الله عزّام والصادر في 13 أكتوبر 2010 أن ثمة نبوءة ذات طبيعة إيحائية بأن مواجهة حتمية بين السنة والشيعة (وإننا في كتائب عبد الله عزام نتوقع أن المعركة قادمة لا محالة..)، حيث يرسم البيان صورة طائفية للمعركة، تكون فيها إيران وسورية وحزب الله طرفاً في مقابل أهل السنة، فيما يخرج العاملان الأميركي والإسرائيلي من المعادلة، في إيحاء واضح بأن المعركة يراد لها أن تكون طائفية محض. هل تتوضّح الآن أسباب التزام الكيان الإسرائيلي الصمت حيال ما يجري في سورية، وكأن ثمة من أوكل بمهمة المناجزة نيابة عنه.

في البيان رقم (2) من سلسلة (ولتستبين سبيل المجرمين) بتاريخ 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، وهو عبارة عن رسالة من (صالح بن عبد الله القرعاوي) إلى أهل السنة في بلاد الشام. يبدأ القرعاوي رسالته إلى (أهل السنة والجماعة في بلاد الشام) بحسب البيان، بالتعريف بنفسه لا من خلال الهوية ولكن من خلال الرسالة التي يحملها (..وليست تحلو الدنيا في عيني، ولو حزتُها كلها، وأنا أرى قومي وأهلي يتسلّط عليهم عدوّهم، فيمنعهم من دينهم، ويسلب منهم دنياهم، وكيف ينامُ ذو المروءةِ ولو ملك الدنيا كلَّها، وأهلُه مستضعفون يعيشون الذلَّ والهوان، يُسَجَّنُ أبناؤهم، ويُهانُ شِيبُهم، ويُخرجونَ مِن أرضِهم، وتؤكلُ حقوقُهم كلُّها؟..). بيان مدجج بشحنة عاطفية وتعبوية واضحة لإيصال رسالة واضحة يعبّر عنها بلغة خلاصية وتحذيرية (..فاسمعوا مني وتأمّلوا في خطابي، فإن وجدتم كلامي كلام نصحٍ ورشدٍ وهدى فخذوه، وإلا يكن كذلك فاطرحوا، لكن ليكن حكمكم بنظرٍ متجرّدٍ في طلب الرشد، ولا يؤثّر فيه ما يلقيه إليكم شياطين الإنس الذين يزعمون أنّهم إخوانكم..الخ).

ليس خاف أن البيان يحمل تحريضاً واضحاً ضد النظام السوري، ولكنه لا يقتصر على ذلك بل ينسحب ليشمل الشيعة عموماً (ويكون الدين لله، إذا ارتفع تسلّط الظلمة ـ من الباطنية والشيعة وغيرهم ـ عن أهل الإسلام وبلاد المسلمين..) وفي مكان لاحق يلفت القرعاوي إلى حال أهل السنة (ونحن إذا نظرنا إلى أحوال أهلنا في لبنان وسوريّة وسائر بلاد الشام، وجدنا أنهم من أعظم الطوائف المظلومة المستضعفة في هذا الزمان، فالظلمُ نازلٌ بهم بكلِّ صورِه، وبأعظمِ مستوياتِه؛ فهو ظلمٌ في الدينِ وظلمٌ في الدنيا؛ على يَدِ الطوائفِ المهيمنةِ على عبادِ اللهِ في أرضِ الشام، الناهبةِ لثرَواتِها، المفسدةِ لها؛ مِنَ الباطنيةِ العلويةِ والشيعةِ الصفويةِ..). والبيان يستهدف، ثلاث جهات: حزب الله، والنظام السوري، والجيش اللبناني، كما يظهر من الأسئلة الاستنكارية التي أوردها في بيانه.

في تصويره للمعركة الطائفية بالمعنى الواسع، يصف القرعاوي سورية بأنها (القائد الميداني للمعركة في بلاد الشام عموماً، وفي لبنان بنحوٍ مؤثر، وأمن لبنان واستقراره مرتبط بتقليل نفوذ الحكومة العلوية في لبنان وتحركاتها فيها..ولا يجوز بحال أن يبادَ أهلكم في فلسطين ولبنان، بأيدي اليهود والحكومة العلوية، ثم يسلمون، أعني اليهود والعلوية وتابعيهم من الطوائف الباطنية ـ من المقابلة والردود المماثلة..).

وفي بيان رقم (5) من سلسلة (لتستبين سبيل المجرمين) بعنوان (سوريّة الأبية) بتاريخ 5 نيسان (إبريل) 2011، بدا الخطاب الوهابي حاضراً بسطوة في البيان كقوله بأن سورية (أرض جهاد ورباط، وأرض معارك وملاحم..)، ثم ينتقل للقول (هي منذ عقود طوال أسيرة مختطفة بأيد علوية نصيرية بعثية حاقدة على الإسلام والمسلمين)، وتكررت عبارة (النظام العلوي النصيري..)، و(اجتياح العصابات العلوية لمناطق أهل السنة..)..(إن هذا النظام العلوي النصيري..مطية الفرس والمجوس والشيعة الحاقدين، ليس له هم إلا قمع أهل السنة وإهانة شيوخهم وقتلهم وتعذيبهم..)، ولا غرابة أن نقرأ (فإن هذا النظام العلوي يستعين بالقوات التابعة لإيران المجوسية ويطلب منها أسباب البقاء؛ فقد وصل كثير من القوات الإيرانية إلى البلاد ليستعين بهم النظام عند خروج الوضع عن سيطرته).

ينفي البيان وجود سلاح وتمويل خارجي ويعتبر ذلك (كذب صراح ظاهر عواره) بل يشدّد (ونجزم بأنه لا يصدقه عاقل) والسبب حسب البيان (فالجهات الخارجية جميعها من مصلحتها بقاء هذا النظام..)، ولكن بيانات كتائب عبد الله عزّام الأخيرة وكذا الصادرة عن الجماعات المتواشجة معها قد تخلّت عن هذه اللغة الجازمة، فقد بات موضع إجماع الخصوم والأصدقاء على تسلل السلاح والمسلّحين بكميات وأعداد كبيرة، وكذلك ضلوع دول وجماعات في تمويل وتسليح المعارضين..

وفي بيان رقم (6) من سلسلة (ولتستبين سبيل المجرمين) بعنوان (سيف بتار على بشّار) بتاريخ 2 تموز (يوليو) 2011، تصعّدت اللهجة الطائفية، وأخذت بعداً عقدياً واضحاً، حيث تحوّل من وراء البيان الى ناصحين ودعاة ومرشدّين دينيين وفي الوقت نفسه لا يغفلون دورهم القتالي من منطلق طائفي. فقد تضاعف استعمال العبارات الطائفية مثل (النظام النصيري العلوي). في هذا البيان، وجّه خطابه الى فئات محدّدة منها: (العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية وإلى الشباب الغيور على الدين وأهله، والمتحرق لنصرتهم)، وأخبرها بالتالي: (إن هذا النظام ليس في المعركة وحده؛ بل معه حلفاؤه من شيعة إيران ولبنان، ينصرونه بكل ما أوتوا من قوة؛ فلا يكن للفجار جلد وتواص وتعاون على الباطل، ويعجز الأخيار عن نصرة إخوانهم ويقصِّرون).

ووجّه البيان كلاماً خاصاً لأهل عكّار في الشمال اللبناني والذي وصفهم بـ (أهل النصرة والكرم والرجولة والإباء ولاسيما في وادي خالد على ما بذلوه وقدّموه لأهلنا في سورية..)، فيما استخدم عبارة (عصابة الشيعة المتمثلة في حركتي أمل وحزب الله)، واللتين، بحسب البيان، ( تكاتفتا على نصرة النصيرية ومحاربة أهل السنة وقهرهم). وقال (أن حرب هذا النظام الطائفي لثورة إخواننا في سورية؛ هي حرب طائفية، وهي امتداد للحرب التي يقودها ذراعه في لبنان (الحزب) على أهل السنة..)، بل لم يتورّع البيان عن النيل من زعيم حزب الله حسن نصر الله الذي وصفه بـ (كذاب الضاحية). وكرر البيان ما يقوله الشيخ ناصر العمر حول تواطؤ حزب الله والكيان الإسرائيلي من أن حزب الله يحرس حدود الكيان الإسرائيلي وأنه (دعم حزب الله في الجنوب اللبناني لكي يؤمِّن حدود لبنان مع اليهود، وليكون الحزب شرطيًّا لهم؛ ينزع السلاح من كل مقاوم صادق شريف، فجعلوا قضية فلسطين ورقة للمساومات والابتزازات بيد ملالي قم في إيران وبيد النظام السوري)، بل اعتبر البيان نصر الله (رأس حربة للمشروع الصفوي النصيري في المنطقة). لغة تبدو واضحة في وهابيتها الفاقعة، من خلال نسيان الثورة السورية التي يتلطى وراءها للتصويب ضد حزب الله وإيران والشيعة عموماً.

وفي البيان رقم (7) من سلسلة (لتستبين سبيل المجرمين)، بعنوان (إرهاصات الملاحم) بتاريخ 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، وصف الرئيس السوري بأنه (سليل طائفة هي من أشد الطوائف حقدًا على أهل الإسلام وبغضًا لهم، يشهد عليهم بذلك تاريخ هذه الطائفة الغابرُ وتاريخها المعاصر..)، فما دخل طائفة الرئيس في معارضة النظام؟!. ثم ينتقل إلى النيل من حزب الله وأمينه العام ويقول (ولقد انكشف لكم وللناس كافة خبث حزب الله الشيعي اللبناني وأمينه العام..)، وراح يقترب من المجال اللاهوتي حين اعتبر المنتمين لتنظيم حزب الله بأنهم ( من أنكروا ألوهية الله، ونسبوا الألوهية لبشار وأخيه..). فالتصويب هنا يتركّز على حزب الله حصرياً، وكأن أصحاب البيان وجدوا في الثورة السورية فرجاً وغطاءً لتصفية حساب طائفي مع حزب الله، بعد أن طار صيته في الآفاق بعد هزيمته للجيش الإسرائيلي في حرب تموز (يوليو) 2006، وهو ما لا يقرّه له كل الوهابيين لأسباب طائفية معروفة.

وفي هذا البيان يتحدّث البيان بلغة طائفية (يجب علينا نحن أهل السنة في سورية ولبنان..)..بل نبّه معدوّ البيان الجمهور بما لفت إليه القرعاوي في البيان الثالث عن حرب طائفية وقال (إن بلاد الشام مقبلةٌ على حرب طائفية قد بدت بوادرها، وهي حرب قد تكون طويلة، فوطنوا أنفسكم لهذا، ولا تخشوا عدوَّكم ولو تحالف عليكم طوائف المجرمين..). وفي النقطة الرابعة جاء (ننصح المنشقين من الجيش ومن له عمليات عسكرية بأن يركزوا عملياتهم على شبيحة النظام؛ فمعظمهم من الموالين لبشار عقدياً بحكم انتسابهم لطائفته العلوية..). وقدّموا نصائح عسكرية مثل استهداف الجيش السوري والأرتال المتوجهة للمدن قبل وصولها إليها وتكثيف العمليات خارج المدن. بل بدت اللغة الطائفية حتى في بيع السلاح وتوفيره، فقد نصح معدّو البيان المنشقين والجماعات المتمرّدة والمسلّحة ضد النظام السوري بعدم التعامل مع تجار السلاح الشيعة على قاعدة أنهم (كذبة وغششة؛ يبيعون الذخائر التالفة، أو يبيعون السلاح للرجل ثم يبلغون عنه رجال المخابرات ليعتقلوه ويصادروا ما اشتراه، واختراق مخابرات النظام العلوي لتجارة السلاح..).

وحين توجّه معدّو البيان بالكلام إلى الدروز والمسيحيين في سورية، لم يجدوا سوى اللغة الطائفية سبيلاً لإيصال الرسالة كقولهم بأن نظام بشار الأسد يحالفه على أمره (الدولة الفارسية المتعصبة في إيران وذراعها في لبنان من الأحزاب الشيعية..وشارك هؤلاء المعتدين الجيشُ اللبناني الخاضع للنفوذ الشيعي). وخير البيان الدروز والمسيحيين بين الحياد أو الدخول إلى جانب المعتدي وبالتالي يصنف بوصفه معتدياً.

في بيان رقم (8) ضمن سلسلة لتستبين سبيل المجرمين بعنوان (تفجيرات دمشق) بتاريخ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2011، نفت فيه كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عن تفجيرات دمشق بتاريخ 23 كانون الأول (ديسمبر) 2011 والتي استهدفت مقرّين أمنيين. ولم يغفل البيان نزوعه الطائفي، حيث عاد وعقد ربطاً بين الحدثين التفجيريين وحزب الله، بما يؤمىء إلى مسؤولية الأخير إلى جانب النظام السوري في التفجير وقال بأن (نظام بشار وذراعه في لبنان (حزب الله الشيعي) ليس لحيَلهم عرف تلتزمه من دين أو مبادئ أو أخلاق؛ فلن يبالوا بمصالح البلاد، ولن يتورعوا عن قتل الأبرياء أو ارتكاب أي جرائم تنجيهم مما يؤول إليه أمرهم من الزوال ومن سقوط هذا النظام..).

اللجنة السياسية التابعة لتنظيم (فتح الإسلام) قدمت في 29 كانون الثاني (يناير) الماضي ما أطلق عليه (قراءة سياسية في الثورة السورية وصراع الأيدي الخفيّة)، يرسم فيه مسار حرب طائفية بذيولها الدولية التي ستكون سورية قاعدة لها، وتفترض ان الحرب الطائفية ستكون طويلة تستدرج قوى دولية، التي ستتمفصل طائفياً هي الأخرى بحسب تنظيم (فتح الإسلام) توأم (كتائب عبد الله عزام)، حيث (أن المعسكر الاشتراكي سيدعم الرافضة ويعمل على تسليحهم..وفي المقابل سيقوم المعسكر الغربي بدعم أعوانه من السنة في مواجهة الروافض..). وأن النظام السوري (سيجعل من الثورة حربا طائفية يستطيع من خلالها إقامة دولة للنصيرية في مناطق وجودهم في جبال العلويين من عكار جنوبا إلى جبال طوروس شمالاً وعموم الساحل السوري..).

يرسم التنظيم صورة لحرب طائفية تؤول إلى تقسيم دول مثل العراق وسورية ولبنان وغيرها بحسب الانتماء الطائفي، وحسب البيان سيتحوّل العراق إلى ثلاث دول (دولة رافضية نفطية في الجنوب وسنية ضعيفة في الوسط وكردية في الشمال، وفي سورية ولبنان ستنقسم البلاد بحسب مناطق النفوذ لكل طرف سني كان أم رافضي طبعا مع الحفاظ على مصالح النصارى في المنطقة).

في بيان لـ (فتح الإسلام) بعنوان (نصرة لإخواننا في سوريا الإسلام)، يخاطب العامة بالقول (إخوانكم في سوريا الإسلام بحاجة إلى نصرتكم فلا تتركوهم لقمة سائغة في أفواه النصيرين (العلويين ) فها هي إيران الفارسية الكافرة بعثت بقواتها المتمثلة بحزب الشيطان الشيعي الكافر إلى قمع إخوانكم المنتفضين على الظلم في درعا فقد أحس الشيعة بالتهديد وبخطر زوال الهلال الشيعي الممتد من لبنان مرورا بسوريا إلى العراق وإيران فبعثوا كلابهم الشيعة حزب الشيطان للتنكيل بإخوانكم في الله أهل الإسلام) ، هل ثمة ما يجمع بين هذا المقطع ومقالة جمال خاشقجي عن (أفول الهلال الشيعي)!

يقول في مكان آخر ما يؤكد على ارتباط تنظيم فتح الإسلام وكتائب عبد الله عزام، حيث ينادي بـ (القيام على إحياء سنة الجهاد في بلاد الشام وعون ونصرة أهل الجهاد في فتح الإسلام وكتائب عبد الله عزام وكل الصادقين ودعمهم بالمال وتكثير سوادهم..). ويضيف (ندعوا كل أهل السنة والجماعة أينما كانوا في بلاد الشام المباركة لنشر وبيان معتقد وحقيقة دين الشيعة الروافض والنصيرين (العلويين)..). ومن الطريف أن البيان يدعو الشباب (إلى نشر ترددات قناة صفا وقناة وصال على عموم أهل السنة..)! هل ثمة علاقة بين (فتح الإسلام) والأمير عبد العزيز بن فهد الذي بشّر متابعيه في (تويتر) ذات تغريدة بقرب انطلاق (وصال 2) باللغة الفارسية!

البيان دعا في جملة حصرية وهابية الجمهور العام بما نصّه (فأعينوا إخوانكم المجاهدين الموحدين وانشروا عقيدة أهل التوحيد)، ليختم بالتذكير بشخصيات التنظيم والكتائب أبو مصعب السوري، وشاكر العبسي، ما سبق أعلاه، ليست رؤية قاعدية، بل هي رؤية الوهابية بكل أطيافها الحركية والتقليدية وحتى النجدية منها، أي القائمة على اعتبار الوهابية خصوصية نجدية مندغمة في الهوية الفرعية لسكان هذا الإقليم. ولذلك، لن تجد من يختلف مع رؤية القرعاوي في المجتمع الوهابي ولا حتى من الطبقة السياسية المتطيّفة في العائلة المالكة، فهم يخطّطون ويعدّون أنفسهم لحرب طائفية ويتحرّكون على هذا الأساس. فكل ما يظهر اليوم في شمال لبنان من تحرّكات عسكرية وعمليات تسلل وخطب المساجد وتهريب الأسلحة وغيرها تحمل بصمات الوهابية.

فقد شهد لبنان جدالاً واسعاً حول وجود عناصر قاعدية في شمال لبنان، ولكن ما لبث أن هدأ الجدل بين الأفرقاء المتخاصمين من معسكري المعارضة والموالاة، فقد أصبحت القاعدة واقعاً في الشمال. وقد رصد الفرنسون في 18 كانون الثاني (يناير) تحضيرات قاعدية في الشمال اللبناني بانتظار بلوغ الوضع في سورية مستوى الفوضى التي تسمح لهم بالدخول على خط الثورة واستثمارها. وفيما أبلغ الانتربول الفرنسي الأمن اللبناني بوجود عناصر لبنانية في منطقة وزيرستان الحدودية بين باكستان وأفغانستان، يتدربون ثم يعودون إلى لبنان. وبحسب تقارير أخرى فرنسية بأن القاعدة قررت نقلت عملياتها من العراق إلى سورية واستخدام لبنان العبور إلى الداخل السوري، والالتحاق بكتائب عبد الله عزام التي يقودها صالح القرعاوي، وتحويل لبنان إلى مثابة (أرض نصرة) للأهل في سورية، بحسب أدبيات السلفية الجهادية. ومن المعلوم أن هناك ما يربو عن عشرة آلاف سوري التحقوا بتنظيم القاعدة في العراق بقيادة الزرقاوي، وقرر قسم كبير منهم العودة فيما بعد للالتحاق بركب (الجهاد في سورية)، وهم اليوم من يشاركون في القتال ضد الجيش السوري جنباً إلى جنب عدد من المنشّقين من المؤسستين العسكرية والأمنية، وهم من تظهر صورهم باللحى الطويلة والأسلحة الرشاشة ينتشرون في بعض المناطق مثل الزبداني ومضايا والتل وحرستا ودوما، وكذلك في المدن السورية مثل حمص وحماة.

سأل أحد عناصر كتائب عبد الله عزام (هل تأثرت كتائب عبد الله عزّام بالثورة السورية أم أثّرت فيها؟)، وسرد فيها آراء المدرسة السلفية التي تدعم خيار الثورة السورية على أساس أنها من باب (جهاد الكفار). ما يلفت الانتباه هنا هو معارضة سلمية الثورة وقوله (فإصرار بعض أهل الشام على سلمية الثورة، وكراهيتهم لقتال الكفرة، سبب رئيس لتداعي النصيرية والبعثية..).

في التقرير الذي أعدّه الصحافي والإعلامي رضوان مرتضى بعنوان (البحث عن أمير لبلاد الشام) والمنشور في صحيفة (الأخبار) اللبنانية بتاريخ 23 كانون الثاني (يناير) الماضي حول الحركة الكثيفة للسلفيين في الشمال اللبناني تنبئ عن طبيعة المقاربة الطائفية للثورة السورية. حيث يحتشد المقاتلون السلفيون (الوهابيون) في مناطق حدودية في الشمال اللبناني. وبحسب مرتضى فإن لبنان ليس أرض نصرة فحسب، بل سيصبح (أرض جهاد). الأيديولوجية السلفية هي المحرّك لهؤلاء المقاتلين الذي تقاطروا من بلدان عدّة، وشكّلوا بيئة حاضنة للجيش السوري الحر في أكثر من موقع على الحدود بين لبنان وسوريا وبين سورية والعراق.

المقاتلون جاءوا من ليبيا وتونس وسوريا والعراق والسعودية إلى لبنان (مبعوثين من قيادة التنظيم)، وهناك (مجموعة دخلت إلى مخيم عين الحلوة تتألف من ثلاثة سعوديين وثلاثة عراقيين وسوريين اثنين وتونسي) إضافة إلى مجموعات أخرى تتنقل بين مناطق لبنانية وسورية وعراقية لاستطلاع خصوبة الأرض للعمل الجهادي. وينقل مرتضى عن هؤلاء أنهم قرروا بأن الوقت حان لـ (حي على الجهاد). من يموّل هؤلاء، ومن يوفّر لهم السلاح والعتاد؟ كانت صحيفة التايمز سالفة الذكر قد كشفت عن الجهات الداعمة وهما السعودية وقطر، ولم يعد خافياً لدى استخبارات الجيش اللبناني ما يقوم به تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري من تمويل وتسليح، بل هو أحد القنوات الرئيسة لوصول الأموال السعودية إلى المقاتلين السلفيين القاعديين إضافة إلى الأموال القطرية المخصصة لتمويل وتسليح أفراد الجيش السوري الحر. يتقاطر المقاتلون السعوديون عبر منافذ حدودية لبنانية عدّة برية وجوية، ويسلكون طريقهم إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان ومن بينها مخيم برج البراجنة الملاصق للضاحية الجنوبية، حيث معقل حزب الله. وبحسب تقرير (الأخبار) فإن ثمة حركة سلفية دعوية ناشطة بدرجة متزايدة في مخيم برج البراجنة، إلى جانب تدريبات على الأسلحة في الطبقة السفلية لأحد المباني.

وبخلاف الثورات في البلدان العربية الأخرى، التي تأخذ طابعاً شعبياً يعبر الطوائف والقوميات والإثنيات، فإن مقاتلي القاعدة من السلفيين الوهابيين فإنهم يطلعون على الثورة في سورية بأنها (ثورة أهل السنة والجماعة)! تنبئ عنها أسماء الكتائب التي تأخذ دلالات دينية ومذهبية خاصة، حيث عادت كتائب عبد الله عزام وفتح الإسلام وجند الشام وعصبة الأنصار وغيرها بالظهور مجدداً والتي تلتقى جميعها تحت مظّلة (القاعدة في بلاد الشام). تختلف كتائب عبد الله عزام بقيادة القرعاوي عن فتح الإسلام في المقاربة، حيث تضع الكتائب قتال حزب الله كأولوية! بعكس القيادي القاعدي أسامة الشهابي، الفلسطيني الذي يعيش في مخيم عين الحلوة ويرى عدم جواز قتال حزب الله (حزب الله لم يقاتلنا فلماذا نقاتله؟) بعكس كتائب عبد الله عزام، ذات الخلفية الوهابية، التي ترى قتال حزب الله والشيعة عموماً واجباً دينياً!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: