تنبيه علماء وعوام البلاد التونسية من تحريف هاني الجبير لمعاني العقيدة القيروانية 06

والخطر الكبير في عقيدة اتصاف الله تعالى بالصفات والأفعال المحدَثة التي تقوم بذاته شيئا فشيئاً لم يَخْفَ على أئمة المسلمين، فإنّ من لوازمها الشنيعة جعل الربِّ مربوباً والخالق مخلوقاً والغني مفتقراً والكامل ناقصاً، لذا اتفق أئمة المسلمين قديما وحديثا خصوصا علماء البلاد التونسية جيلا بعد جيل على أن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث، ولم يخالف في ذلك إلا المجسمة وعلى رأسهم ابن تيمية الذي اقتدى به الوهابية وادعوا أن الله تعالى لا يخلو من الصفات الحادثة التي تقوم به شيئا فشيئا كالحروف والأصوات والحركات صعوداً ونزولًا وغير ذلك مما هو معروف عنهم، ويطلقون عليها الصفات الفعلية.

وهذه العقيدة باطلة بنص الإمام ابن أبي زيد القيرواني الذي قال في وصف الله تعال: «لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدَثة»، وفي كلامه إشارة جليلة على ترادف المخلوق والمحدَث لاتحادهما في حقيقة واحدة وهي أن كلاهما مخرج إلى الوجود بعد العدم، وفيه إبطال لعقيدة المجسمة القائلين بحدوث أفراد وآحاد صفات الله كما يزعمون، ويجعلون القرآن القائم بذات الله تعالى من أفراد وآحاد الصفات المحدَثة التي تقوم بذاته العلية شيئا فشيئا.

وعقيدة المجسمة في وصف الله تعالى بالصفات الحادثة أمر قد اتفق أهل السنة والجماعة على بطلانه، ومن النصوص القطعية الدلالة في ذلك ما قاله الإمام ابن جرير الطبري بأن: «مَا لَـمْ يَـخْلُ مِنَ الحَدَثِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُحدَثٌ»‏‏([22])، وهي قاعدة كلية تشمل بعمومها جميع الجزئيات، فهي نص صريح في استحالة اتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة أفراداً أو آحاداً أو غير ذلك وإلا كان قطعاً محدثاً.

ولهذا أيضا صرح الإمام ابن جرير الطبري بنقيض عقيدة المجسمة عموما والوهابية خصوصا في صفة الكلام فقال في وصف الله تعالى به: «هُوَ المتكلِّمُ الَّذِي لا يجوز عليه السُّكوتُ»([23])، وهذا نقيض قول الوهابية: إن الله يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ونقيض ما قاله «الجبير» في شرحه الصوتي على عقيدة الإمام القيرواني الشريط 3 دقيق 3: «آحاد هذه الكلمات متعلقة بمشيئة الله، إذا شاء الله تعالى تكلم وإذا شاء لم يتكلم» اهـ

وبالجملة فلوازم العقيدة الوهابية في حدوث صفات الله تعالى أجلى من أن تخفى على العلماء، ويلخصها الشيخ ابن بطة العكبري بقوله: «كُلُّ مَنْ حَدَثَتْ صِفَاتُهُ فَمُحْدَثٌ ذَاتُهُ، وَمَنْ حَدَثَ ذَاتُهُ وَصِفَتُهُ فَإِلَى فَنَاءٍ حيَاتُه، وتَعالَـى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً‏‏([24])، ونصوص أهل السنة والجماعة في هذا التنزيه أكثر من أن تحصى.

فهذا في عجالة ما أردت التنبيه عليه، وملخصه أنّ بلادنا التونسية تعيش متغيرات كبرى في شتى المجالات، وخصوصا الديني منها، فهي إما أن تُحيِيَ منهجها الأصيل ذات الخصوصية المالكية فقها والأشعرية عقيدةً، وتستأنف دورها العلمي الرائد في نشر قيم الإسلام الصحيحة ودعوة الناس لها على بصيرة، وإما أن تنتكس وتكون عرضة للاختراقات الوهابية خصوصاً وغيرها من التيارات الإسلامية التي لم تحظ بالقبول في تاريخها على أرضنا كالشيعية، فتزيد بعداً عن منهجها الأصيل، ولا شك أن الخيار الأول هو الذي يتعين المصير إليه، ويتوجه على أهل العلم والفضل والسياسة الرشيدة دعمه وإزالة ما يعيق الوصول إليه، والله ولي التوفيق.

كتبه نزار حمادي

بتاريخ 9 ذي القعدة سنة 1432هـ الموافق لـ 7 أكتوبر 2011م

([1]) رسالة محمد بن عبد الوهاب الواردة من الشرق، ضمن كتاب الرد على الوهابية في القرن التاسع عشر، ص 127، دار الطليعة، بيروت.
([2]) راجع محاضرة المذاهب الأربعة بين الأثر والنظر، ص 99، 100، ضمن المحاضرات، مركز النشر الجامعي، 1999م.
([3]) شرح عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني (ص17)
([4]) يعني بقوله «بائن»: مخالف، ولا شك أن الله تعالى مخالف لجيمع خلقه بالذات والصفات والأفعال.
([5]) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ص1474. ط1. 1409هـ/1988م جامعة أم القرى.
([6]) الأسماء والصفات ج2/ص308
([7]) تفسير بن كثير، ج6/319
([8]) التمهيد، ضمن موسوعة شروح الموطأ، (ج7/ص 234) نشر مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط1، 1426هـ/2005م
([9]) المقدمات الممهدات، (ج1/ص23)
([10]) جامع البيان، ج4/ص544
([11]) جامع البيان، ج17/ص103
([12]) جامع البيان، ج16/ص662
([13]) مخطوط في المكتبة الخاصة للشيخ الشاذلي النيفر رحمه الله.
([14]) مخطوط النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة، وراجع ايضا المطبوع بتحقيق الأستاذ الحبيب بن طاهر والدكتور الميلودي بن جمعة، ص 84، طبعة 1، مؤسسة المعارف.
([15]) تحرير المقالة في شرح الرسالة (ص 100 تحقيق الأستاذ الحبيب بن طاهر والأستاذ محمد المدنيني، طبعة 1، مؤسسة المعارف.
([16]) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي ﴾ [ص: ٧٥]
([17]) التحرير والتنوير (24/63)
([18]) مجموع الفتاوى (ج6/ص328) جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية – 1416هـ/1995م
([19]) راجع سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (14/381) طبعة مؤسسة الرسالة
([20]) راجع التبصير في معالم الدين (ص 152)
([21]) اعتقاد أهل السنة، (ج1/ص95)
([22]) التاريخ (ج1/ص28)
([23]) راجع التبصير في معالم الدين (ص 128)
([24]) الإبانة (ج2/ص183)

منتدى الأزهريين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: