تنبيه علماء وعوام البلاد التونسية من تحريف هاني الجبير لمعاني العقيدة القيروانية 03

وعودا على بدء، فقد ذكرنا نشوء جمعيات في تونس تُعنَى بالجانب الديني، والواقع يفيد أنها غير متفقة على مبادئ دينية واحدة وخصوصية مذهبية واحدة، بل بعضها يحاول إحياء المنهج الإسلامي ذات الخصوصية التونسية المالكية الأشعرية كالجمعية التونسية للعلوم الشرعية، والبعض الآخر يحاول استيراد خصوصيات أخرى لا علاقة لها بالهوية الإسلامية للبلاد، لا سيما الدعوة الوهابية التي وصفنا بعض أحوالها.

فبعض هذه الجميعات بادر إلى استضافة بعض مشايخ ورموز الوهابية لإلقاء محاضرات وندوات محاولة منهم لصياغة مستقبل المنهج الديني في تونس، وتلك المحاضرات وإن كانت مضامينها في بدايتها عامة تخاطب الناس بعموميات الإسلام ومبادئه المشتركة بين جميع المسلمين، إلا أن خطابها قد يتطور إلى الحديث عن الخصوصيات المذهبية كمسائل العقيدة والمسائل المذهبية الفقهية، وهذا ما حدث فعلا حيث بدأت بعض المعاهد الشرعية بالانبثاق من تلك الجمعيات، تحمل أسماء أعلام تونسية، لكنها تعتمد مناهج ذات خصوصية وهابية في تعليم العلوم الشرعية.

وقد أُعلِنَ مؤخِّراً أن دورة علمية ستنعقد بتنظيم إحدى الجمعيات وهي جمعية الخير الإسلامية، بدءا من تاريخ 21 أكتوبر الجاري إلى 27 من نفس الشهر يستضيفون فيها الدكتور السعودي «هاني الجبير» الذي سيقوم بتدريس عقيدة الرسالة القيروانية لصاحبها الإمام ابن أبي زيد القيرواني ، مع بعض المواد الأخرى العرَضية.

وقد سبق أن تناول «الجبير» عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني بالتدريس في أحد الجوامع بالمملكة العربية السعودية، وشرحه صوتي منشور على شبكة الإنترنت، وقد تتبعت هذا الشرح الصوتي ووقفت على ما يعتبر تحريفاً لمعاني تلك العقيدة السُّنية المالكية الأشعرية على التحقيق والتي قبلها جمهور علماء أهل السنة خصوصا في البلاد التونسية.

وأخطر ما في هذا الشرح الذي سيُلقَى في تونس ـ إذا كُتِب للدورة الانعقاد ـ هو الدعوة الصريحة إلى تجسيم الله تعالى، وذلك بحمل قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: ٥] على معنى أن الله ـ تعالى عن قوله ـ جلسَ على العرش بذاته، وفي ذلك إثبات المكان لله ـ تعالى عن ذلك ـ والجهة الحسية.

يقول الدكتور «هاني الجبير» في الشريط الثاني د 14.10 : «الله سبحانه وتعالى في السماء، يعني في جهة العلو، فهو فوق السماوات مستو على عرشه». ويقول في د 15.45 : السلف لما جاؤوا إلى قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ فسروا الاستواء بأحد خمس عبارات، عبارات خمسة دالة على معنى الاستواء، ففسروا الاستواء بأنه العلو، ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ يعني علا على العرش، وفسروها بأنه الارتفاع ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ يعني ارتفع على العرش، وفسروها بأنها الاستقرار، يعني الرحمن استقر على العرش، وفسروها بأنها صعد، يعني: الرحمن صعد على العرش، وفسرها بعضهم بالجلوس، ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ يعني: جلسَ على العرش، كلها معان معروفة في لغة العرب.

ثم يزيد غلوّا في التشبيه والتجسيم فيقول الدكتور «الجبير»: وعلى كلٍّ هذه المعاني هي ما فسر به السلف الاستواء، والاستواء عند العرب يدل على أحد هذه المعاني، ولذلك الله تعالى في قوله: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [الزخرف: ١٣] معنى ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾ يعني: لتجلسوا عليه على هذه الدابة أو تصعدوا عليه أو ترتفعوا فوقه، أو تعلوا عليه، فهذا معنى الاستواء عند العرب إذا اقترن بكلمة «على»، فلما قال الله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ عرفنا أن معنى استوى عليه ارتفع أو صعد أو جلسَ على العرش. هذا هو المعنى. اهـ

فهذه عين ألفاظ الدكتور «هاني الجبير»، وهي صريحة في التجسيم، وليس الغريب أن يصدر ذلك منه فهو عين اعتقاده لكونه وهابيا، ولكن المستنكر والمستهجن هو نسبة هذا التجسيم إلى السلف، خصوصا إلى الإمام ابن أبي زيد القيرواني الذي يقول أقرب العلماء إليه زمانا وأعلمهم بعقيدته وهو القاضي الجليل عبد الوهاب البغدادي في شرحه على العقيدة القيروانية وهو من أوائل الشروح: «التنقُّلُ والتحوُّلُ وإشغالُ الحيِّزِ والافتقار إلى الأماكن يَؤول إلى التجسيم، وإلى قِدَم الأجسام، وهذا كفرٌ عند كافة أهل الإسلام([3]).

ويقول الإمام الخطابي: «ليس معنى قول المسلمين: «إن الله على العرش» هو أنه تعالى مماسّ له، أو متمكِّن فيه، أو متحيّز في جهة من جهاته؛ لأنه بائن من جميع خلقه([4])، وإنما هو خبرٌ جاء به التوقيف، فقلنا به، ونَفَيْنَا عنه التكييف؛ إذ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: ١١]([5]).

فكيف يَتصور عاقلٌ بعد ذلك أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني قائل بالتجسيم ولوازمه من الجهة الحسية والجلوس على الجسم المسمى بالعرش والتنقل صعوداً ونزولا وإشغال الحيز وغير ذلك مما لا تتم العقيدة الوهابية إلا به؟!

ويقول الإمام البيهقي: القديم ـ سبحانه وتعالى ـ عالٍ على عرشه، لا قاعد، ولا قائمٌ، ولا مماسٌّ، ولا مباين مباينة الذات التي هي بمعنى الاعتزال أو التباعد؛ لأن المماسة والمباينة ـ التي ضدها القيام والقعود ـ من أوصاف الأجسام، والله عز وجل أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، فلا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام تبارك وتعالى»([6]).

ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: ٥٤]: «والظاهرُ المتبادر إلى أذهان المشبهين منفيٌّ عن الله؛ فإنّ الله لا يشبهِهُ شيء من خلقه»([7]) وهذا الظاهر المتبادر الذي نفاه الحافظ ابن كثير هو الجلوس وما في معناه من الاستقرار الحسي والتحديد الذي يعتقده المجسّمة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، إذ ليس ثمة معنى آخر فاسد متبادر للأذهان غيره.

ويقول الحافظ الإمام أبو عمر بن عبد البر (ت463هـ) في «التمهيد» في قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر: ٢٢]: ليس مجيئه حركةً ولا زوالًا ولا انتقالًا؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً، فلما ثبتَ أنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئُه حركةً ولا نقلةً»([8])، وهذا نفي صريح من الحافظ ابن عبد البر للجسمية عن الله تعالى ويتضمن نفيا صريحا للوازمها كالجلوس على العرش.

ويقول الإمام الفقيه القاضي محمد بن رشد الجد رحمه الله في كتابه «المقدمات الممهدات»: ولا يجوز عليه تعالى ما يجوز على الجواهر والأجسام من الحركة والسكون والزوال والانتقال والتغير والمنافع والمضار، ولا تحويه الأمكنة ولا تحيط به الأزمة([9]).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: