تنبيه علماء وعوام البلاد التونسية من تحريف هاني الجبير لمعاني العقيدة القيروانية 02

وقد أدرك علماء البلاد التونسية ما في رسالة ابن عبد الوهاب من الانحرافات عن منهج أهل السنة والجماعة المالكي الأشعري، وتبين لهم ما فيها من الشُّبه المضِلة والعداء المبطن لتلك الخصوصية الإسلامية للبلاد، فواجهوها بالردود العلمية الكاشفة عن زيف تلك الشبهات، ووضحوا خُروج صاحبها عن حد الفهم الصحيح لمعقول الشريعة ومنقولها، فكتب العلامة أبو حفص عمر بن قاسم بن محجوب رداّ محكما مختصرا عل الرسالة الوهابية، وصنف العلامة قاضي الجماعة المالكية بالديار التونسية الشيخ إسماعيل التميمي رسالة مطولة في الرد عليها سماها «المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية»، وألف الشيخ العلامة إبراهيم الرياحي رسالة أيضا في الرد على ابن عبد الوهاب ولكنها في عداد المفقود من تراثنا، خلافا للردين الأولين فقد طبعا أكثر من مرة.

وقد كانت هذه الردود العلمية المؤصلة المفصلة كفيلةً بدرء دعوة الوهابية عن القطر التونسي، كما دُرِئَت عن المملكة المغربية بردود علمية أيضا كردّ الشيخ العلامة الطيب بن كيران وغيره، وقد وصف الشيخ العلامة الفاضل بن عاشور في أحدى محاضراته جهود العلماء في الرد على الوهابية بقوله: «إنهم هاجموا الوهابية في الناحية الاعتقادية كما هاجموا ابن تيمية من قبل فيما دعا إليه مِن أن ما عليه الناسُ من تلك الأمور موقعٌ لهم في الشرك ومخرجٌ لهم عن حقيقة الإيمان، حتى يبيح منهم ما لا يباح من المسلمين إلا بالرِّدة»([2]) وهو القتل.

وللعلم فليست هذه الردودة الصادرة من الغرب الإسلامي هي الوحيدة ضد الدعوة الوهابية، بل الردود المشرقية أكثر منها بكثير، وأولها ما صدر من مشايخ ابن عبد الوهاب نفسه الذي انحرف عن منهجهم، فللشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الحنبلي ردان عليه، وللشيخ عبدالله بن محمد آل عبد اللطيف الشافعي ردان أيضا، وللشيخ عيسى بن عبد الرحمن بن المطلق المالكي ردّ، ولابن خالة ابن عبد الوهاب وهو العلامة ابن فيروز ردود منظومة ومنثورة، ولعل جميعها قد ساهم في تغيير الخطاب المتطرف التكفيري للوهابية وإجبارهم للتراجع من التعصب والغلو في تكفير المسلمين إلى شيء من الاعتدال ظاهراً وإن بقيت أصولهم على ما هي عليه، وهي نفسها التي يستغلون كل فرصة تسنح لنشرها وترويجها إلى يومنا هذا، مسخِّرين لذلك طاقات مادية هائلة تضمنها لهم الدولة التي ترعى فكرهم وتدعمه.

ومن الفرص التي يستغلها الوهابية لنشر دعوتهم وترويج عقيدتهم هو ضعف المستوى التعليمي الشرعي لبعض البلدان وجهل عامة الناس فيها بمبادئ الدين الإسلامي عقيدة وفقها، ولا شك أن البلاد التونسية قد حصل فيها هذا الأمر في العقود الأخيرة بعد أن تم استئصال الدور الرائد لجامع الزيتونة في النظام البوقيبي، ثم تفريغ الكلية الزيتونية من مضمونها وتهميشها لتبقى اسما بغير مسمى، وصارت البلاد التونسية مهددة بضياع خصوصيتها الإسلامية المالكية الأشعرية، فاستغل الوهابية هذا الواقع الجديد، وحاولوا ترويج فكرهم عبر الوسائل السمعية البصرية المستحدثة، بل وعبر بعض الأساتذة المدرسين في الكلية الزيتونية نفسها ممن تأثروا بمنهجهم وربما انتفعوا ماديا مقابل ذلك.

ومن الأخبار التي أثق بها الدالة على تكرر محاولات الوهابية اختراق الخصوصية الإسلامية التونسية عقيدة وفقها ما رواه لي أحد فضلاء مشايخ الأحساء عن أحد مشايخه سماعا منه أنه أثناء تردده على تونس للحصول على درجة الدكتوراه في الفقه توثقت صلته بالعالم الصالح الفقيه الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله تعالى، وأنه زاره في مكتبته كثيرا، وقد حدّثه مرة أن الدكتور عبد الله التركي ـ وهو عضو هيئة كبار العلماء في المملكة السعودية ورئيس رابطة العالم الإسلامي حاليا ووزير الشؤون الإسلامية في المملكة السعودية سابقا ـ قد التقاه وكان الشيخ النيفر عميداً للكلية الزيتونية، وكانت إمكاناتها ضعيفة وحالتها لا ترضي الشيخ النيفر، فذكر ذلك للدكتور التركي الذي كان آنذاك مديراً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ورئيسا لاتحاد الجامعات الإسلامية، فأجابه الدكتور التركي فورا: إنه على استعداد أن يوفر للزيتونة إمكانات مالية ضخمة، وأنه سيكون للشيخ النيفر ما يريد لصنع معلمة علمية، وما زال يُمنِّي الشيخ النيفر، ثم قال الدكتور التركي: إلا أن عندنا طلبا واحدا فقط، فاستفهمه الشيخ النيفر عن طلبه أو بالأحرى عن شرطه، فقال الدكتور التركي: نريد أن نضع نحن مناهج العقيدة ونشرف على تدريسها في الزيتونة، فأجابه الشيخ النيفر مباشرة: إن هذا لا يكون! ولا يقبل هذا الشرط، فانقطع النقاش حول تمويل الزيتونة. اهـ.

فهذا الخبر دال بوضوح على بعض المحاولات المتكررة من الوهابية لاختراق البلاد التونسية بشتى الوسائل، وفيه أيضا منقبة للشيخ العلامة الشاذلي النيفر رحمه الله تعالى، وكيف يقبل بإلغاء العقيدة الأشعرية التي ارتضاها علماء وعوام البلاد التونسية طيلة ما يزيد على عشرة قرون ويستبدلها بعقيدة تجسيمية تكفيرية وهو من هو علما وصلاحاً، إضافة لكونه سليل عائلة النيفر المالكية الأشعرية العريقة في العلم أبا عن جد؟! فهذا لا يكون، وبحمد الله تعالى لم يكن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: