تنبيه علماء وعوام البلاد التونسية من تحريف هاني الجبير لمعاني العقيدة القيروانية 01

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبعد، فها نحن في الشهر التاسع من الثورة التونسية التي غيرت مسار البلاد وأعادت توزيع الأوراق في جميع المجالات، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية وحتى الدينية، وقد تأسست منذ مدة جمعيات مدنية في مختلف المجالات لتحاول التأثير في الواقع الجديد واستدراك ما أتلفه النظام السابق في جميع المجالات المذكورة، ونخص بالذكر منها الجمعيات التي تُعنَى بالجانب الديني الذي لا يختلف اثنان على أن بداية تهميشه انطلقت منذ الاستقلال من الاحتلال الفرنسي على يد النظام البورقيبي الذي حقق ضرب الجامع الأعظم جامع الزيتونة وفروعه فجعله مجرّد معلَم تاريخي بعد أن كان منارة علمية تشع على جميع القطر التونسي والمغربي وحتى المشرقي بالتواصل الشديد الذي كان بينه وبين الأزهر الشريف، ثم جاء نظام حزب التجمع الدستوري الذي كان يرأسه «بن علي» بانقلاب في السابع من نوفمبر 1987م فاستأنف عملية تهميش الدين الإسلامي في تونس واجتثاث مبادئه وأصوله وإقصاء أحكامه شيئا فشيئا من حياة التونسيين بدعوى ركوب تيار الحداثة والتخلص من قيود الرجعية وأبرزها عندهم أحكام الشريعة الإسلامية، وسخر لذلك مؤسسات التعليم بمختلف مستوياتها ووزارة الشؤون الدينية بتواطئ الوزراء المتعاقبين عليها وكثير من إطاراتها وأعوانها إلا من رحم الله.

فصارت البلاد التونسية بعد أكثر من 50 سنة من الحرب المعلَنة تارة والخفية أخرى على ثوابت الإسلام تعيش فراغا دينيا ربما لم يسبق له مثيل في تاريخها، وأبرز مظاهر هذا الفراغ فقدان معاهد العلوم الشرعية التي تراعي الخصوصية الإسلامية التونسية في تكوين طلاب العلم وتخريج علماء متخصصين في مختلف المجالات الشرعية، في حين توجد فيه معاهد وجامعات متخصصة في تخريج أستاذة ودكاترة في مختلف العلوم الأخرى، فتسبب ذلك تدريجيا في ضياع الهوية الإسلامية ذات الخصوصية التونسية، وأقصد تحديداً المنهج المالكي فقهاً والمنهج الأشعري عقيدة، ومعلوم أن هاذين المنهجين هما ركيزتا أو ركنا المنهج الإسلامي في تونس عبر ما يزيد على عشرة قرون، فمِن الإمام عثمان بن سعيد الحداد القيرواني إلى ابن ابي زيد القيرواني والإمام أبي الحسن القابسي والإمام عبد الجليل الربعي والإمام أبو بكر الحضرمي المرادي وغيرهم من أعلام القيروان، ومروراً بالإمام المازري والإمام ابن راشد القفصي والإمام محمد بن عبد السلام الهواري وتلميذيه الإمام محمد بن عرفة والعلامة عبد الرحمن بن خلدون، ومروراً أيضا بالشيخ محمد بن خليفة الأبي والشيخ عيسى ابن ناجي والشيخ محمد زيتونة والشيخ علي النوري، ووصولا إلى الشيخ إسماعيل التميمي، والشيخ أبي الحسن النجار، وانتهاء بالشيخ الإمام الطاهر بن عاشور رضي الله عنهم جميعا، وبينهم علماء لا يحصيهم إلا الله، كانوا جميعاً محافظين على الخصوصية الإسلامية الأصيلة السُّنية في البلاد التونسية المتمثلة في اعتماد فقه الإمام مالك بن أنس وقواعد مدرسته في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية، واعتماد قواعد أصول الدين على منهج الإمام أبي الحسن الأشعري في تقرير العقائد تحصيلا ودفعا للشبهات الواردة عليها، وهي بلا شك تمثل المنهج العقدي الذي اعتمده سائر علماء أهل السنة والجماعة في أغلب بلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

وأيضا فإن تراث علماء تونس بنَزْرِه اليسير المطبوع منه، وكمّه الكبير الذي ما يزال يقبع في رفوف المخطوطات في المكتبة الوطنية التونسة وغيرها من مكتبات مخطوطات العالم، ليشهد بجلاء ووضوح على أن جل علماء البلاد التونسية كانوا يدافعون على هذه الخصوصية الإسلامية الأصيلة، ولذا لم تفلح جميع محاولات اختراقها من طرف مختلف الفرق الإسلامية، انطلاقا من الخوارج والمعتزلة، ومروراً بالشيعة الذين فشلوا فشلا ذريعاً في طمس الهوية الإسلامية التونسية مع ما كان لهم من سلطان وقوة، وصولًا إلى الفرقة الوهابية التي أعاد مؤسسها محمد بن عبد الوهاب إحياء المذهب التجسيمي الذي خلَّفه ابن تيمية في مطلع القرن الثامن للهجرة وتم القضاء على فتنته آنذاك بمحاكمات شرعية، كما أعاد إحياء المذهب التكفيري الذي بلغ ذروته في عصر الخوارج، والواقف على تاريخ الحجاز في عصر محمد بن عبد الوهاب يدرك أثر فكره التكفيري الذي حصد الكثير من أرواح المسلمين وهدم الكثير من المعالم الإسلامية بدعوى الإصلاح وإخراج الناس من الشرك، متجاهلا الوعد الصادق الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الإمام البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إني لست أخشى عليكم أن تُشرِكُوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» فاتّهم المسلمين بالشرك بما توهمه موجبا لذلك وهو ليس كذلك، وشن على أهل الحجاز حربا لا هوادة فيها باسم محاربة الشرك، وغفل عما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو التنافس في جمع حطام الدنيا المادي والمعنوي، وآثار ذلك ماثلة إلى يومنا.

وقد أرسل محمد بن عبد الوهاب رسائل إلى الغرب الإسلامي وتحديداً إلى تونس والمغرب، مبشِّراً بمذهبه الخارجي، ومتوعِّداً من خالفه بالقتال، فقال في رسالته التي وجهها إلى تونس بعد أن قرر الشُّبَه التي أوجبت له تكفير المسلمين: «فهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وأظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس له ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان دعوناه بالسيف والسنان»([1]).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: