إعلان فشل المشروع السلفى الوهابي

– عاشت الأمة الاسلامية منذ القرن الأول فى الفقه على المذاهب الأربعة , التى هى امتداد لأقوال الصحابة , وفتاواهم بعدما انتشروا فى الأمصار بعد الفتح الإسلامي المبارك للبلاد ودخول الناس أفواجا فى دين الله تعالى , وكتب الله التمكين فى الأرض للمذاهب الأربعة , وتلقتها الأمة بالقبول , وعاشت عليها الأجيال المتعاقبة جيلا بعد جيل , وتناولها العلماء بالشرح والتحليل والتقعيد , فى كتب لا حصر لها , وتكونت من هذه المذاهب ثروة فقهية اعترف بها العدو قبل الصديق , بل قامت عليها النهضة الاوربية الحديثة فى شتى المجالات , فقد كانت القواعد الفقهية الكلية التى قامت عليها المذاهب الأربعة حاضرة فى معظم الدساتير والقوانين الاوربية , والمعاهدات الدولية وإعلانات حقوق الإنسان .

– وعاشت الأمة الإسلامية منذ القرن الأول فى العقيدة على عقيدة الصحابة , الصافية , الطاهرة , المنزهة , الخاشعة لله تعالى , ذلك أنهم لم يسألوا يوما عن ذات الله تعالى , ولا عن صفاته , وكان كل همهم الإلتزام الكامل بأوامر الله تعالى ، يقول الشيخ محمد ابو زهرة فى كتابه القيم –تاريخ المذاهب الاسلامية — (كان المؤمنون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان , يستقون عقيدتهم من القران الكريم ويعرفون ما يليق بذاته تعالى وما ينزه عنه جل وعلا من آياته , تعالت كلماته , ولذا لم يكن بينهم جدل فى شأن من شؤون العقائد) . ثم ينقل الامام ابو زهرة كلام المقريزى فى خططه فيقول : [ قال المقريزى فى خططه : اعلم ان الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا رسولا الى الناس جميعا , وصف لهم ربهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريمة فى كتابه العزيز الذى نزل به على قلبه الروح الامين , وبما اوحى اليه ربه تعالى فلم يسأله صلى الله عليه وسلم من العرب قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك , كما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن امر الصلاة والزكاة والحج , وغير ذلك مما لله سبحانه وتعالى فيه امر ونهى , وكما سألوه عن احوال يوم القيامة والجنة والنار , اذ لو سأله انسان منهم عن شيء من الصفات الالهية لنقل ذلك كما نقلت الاحاديث الواردة فى الحلال والحرام وفى الترغيب والترهيب واحوال القيامة والملاحم والفتن ونحو ذلك , مما تضمنته كتب الحديث . معاجمها ومسانيدها وجوامعها , ومن امعن النظر فى دواوين الحديث النبوى ووقف على الاثار السلفية علم انه لم يرو من طريق صحيح ولا سقيم عن احد من الصحابة رضى الله عنهم على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم , انه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شيء مما وصف به الرب سبحانه وتعالى نفسه الكريمة فى القران الكريم وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم , بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا على الكلام فى الصفات , ولا فرق احد منهم بين كونها صفة ذات او صفة فعل وانما اثبتوا له تعالى صفات ازلية من العلم والبصر والقدرة والسمع والحياة والارادة والكلام والجلال والاكرام , والجود والانعام والعزة والعظمة وساقوا الكلام سوقا واحدا]

وفوق ذلك كانوا –رضوان الله عليهم –ممنوعين من السؤال أصلا :-

1- فى صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال [ اقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعنى من الهجرة الا المسألة كان احدنا اذا هاجر لم يسأل النبى صلى الله عليه وسلم ] اى انه اقام سنة فى المدينة ولم يتوطنها ولم يهاجر اليها هجرة كاملة لمدة سنة حتى يتمكن من السؤال عما يريد , لأن الانصار والمهاجرين لم يكونوا يسألون الا فى الضرورة القصوى

2- فى صحيح مسلم عن انس قال [ نهينا ان نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا الرجل من اهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ]

3- فى كتاب جامع العلوم والحكم عن ابى امامة رضى الله عنه قال [ كان الله قد انزل { يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم } فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حيث انزل الله على نبيه , قال فأتينا اعرابيا فرشوناه بردا ثم قلنا سل النبى صلى الله عليه وسلم ]
-4-وفى مسند ابى يعلى عن البراء بن عازب قال [ ان كانت لتأتى علىّ السنة اريد ان أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه وان كنا لنتمنى الاعراب]
5-فى صحيح مسلم عن الصحابى الجليل عمرو بن العاص قال [ ما كان احد احب الىّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اجل فى عيني منه وما كنت اطيق ان املأ عيني منه اجلالا له ولو سئلت ان اصفه ما اطقت لأنى لم اكن املأ عينى منه]
استمرت هذه العقيدة الصافية , حتي حدوث الفتن وظهور الفرق , فظهر القدرية ,الذين أنكرهم الصحابى الجليل عبد الله بن عمر , وظهر المعتزلة , وظهر الجهمية , وظهر المجسمة , وبدأ الكلام والخوض فى ذات الله وصفاته وأفعاله , بطريقة لم تكن موجودة فى عهد الصحابة الكرام , واحتار الناس ماذا يفعلون , فمنهم من تمسك بالحرف واللفظ , ومنهم خاض مع من خاضوا , حتي قام فى الأمة العالم الجليل , والإمام المقدّم أبو الحسن الأشعري , الذى رجع بالناس الى العهد الأول , ووضع للناس طريقين لا ثالث لهما , فيما يتعلق بالذات الالهية والصفات , الطريق الأول : التفويض , اذا أحجمت عن الخوض فى علم الكلام , واكتفيت بالقرآن والسنة , وقراءة الآيات والأحاديث المتواترة فى العقيدة كما وردت لا تزيد عليها , تفسيرها تلاوتها , كما قال الإمام المبجل –الشافعى رضى الله عنه –[ آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله , وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فاذا فعلت ذلك فأنت مفوض وقد أرحت واسترحت ,
واذا دخل عليك القلق العقلى والتفكير المستمر فى المتشابهات , ودخلت عليك الوساوس كلما قرأت فى القرآن عن اليد والوجه والعين والنزول وغير ذلك مما يؤدى ظاهره الى مشابهة الله بخلقه , ولم تستطع صرف هذا الخاطر عنك , فعليك بالطريق الثانى وهو التأويل , , ولكن لا تسرف فيه فعليك بلاعتدال وعدم الخروج عن اللغة التى نزل بها القرآن , وعلى كل الأحوال لا تشبه الله بخلقه , ولا تحمل المتشابهات على الظاهر أبدا
3-) ظل الوضع هادئا مستقرا حتى ظهر فى الأمة ابن تيمية , فأحيا جانبا مظلما من المذهب الحنبلى , كان مهجورا فى الأمة , مطاردا , يعيش اصحابه على هامش المجتمع العلمى المسلم , وهو جانب الظاهر , وعمد الى المتشابهات مباشرة , فأحياها وقاتل من أجل إجرائها على الظاهر , وصدم كل جمهور الأمة بآرائه واختياراته الفقهية والعقائدية , سواء فى الأصول أو الفروع , وخالف المجمع عليه فى المذاهب الفقهية , مع أن المذاهب الأربعة كان فيها تلاميذ أعلم من ابن تيمية , من أمثال ابو يوسف ومحمد بن الحسن ,أصحاب أبو حنيفة , وكذلك أصحاب الشافعى ومالك وأحمد , كلهم أعلم منه , ولكن لأنهم علماء راسخون فى العلم , لم يخرجوا عن أقوال إمامهم فى المذهب , فاجتهدوا داخل المذهب , وأثروا المذاهب بدل الخروج عليها ,
وكذلك فى العقيدة كان هناك تلاميذ عظام داخل المذهب الأشعرى , من أمثال الباقلانى , والرازى , والغزالى , والآمدى , والجوينى ,وغيرهم الكثير , لم يخرجوا عن أقوال الامام الأشعرى , ولكنهم أثروا المذهب , وكانت عندهم القدرة على مخالفة الامام , ولكنهم خافوا على الأمة أن تتشرذم , وأن يتفتت المذهب الى مسوخ مشوهة , وينقلب الأمرالى تناحر وتقاتل بغيض يفتت وحدة الأمة , فأكملوا البناء الشامخ ولم يخرجوا عليه ,
وذهب ابن تيمية , وضاعت كتبه , ونسى الناس عهده , ومضت حوالى ستمائة سنة , دخل فيها العالم الاسلامى فى مراحل متعاقبة من القوة مرة والضعف مرات , [ القوة والضعف السياسي والمدنى وليس الدينى ] ودخل عصر الاحتلال والاستعمار , وانتهى , وقبل أن ينتهى زرع الاستعمار بذور الشقاق والخلاف والتمزيق فى الأرض العربية , طبع كتب ابن تيمية , وأوقف وراءها السلطة السياسية , وسلطة المال الوفير , لماذا ابن تيمية بالذات ؟
لأن كل كتب ابن تيمية , تحوى بداخلها كل عوامل الشقاق والخلاف والتمزيق –لماذا ؟ وما الدليل ؟
1- رأيه هو الصحيح , وغيره بدعة وضلال , وتجهم وتعطيل والحاد , واتباع غير سبيل المؤمنين , ومحادة لله ورسوله —الخ الخ –
2- نسب كل أقواله الى السلف الصالح , حتى لا يجرؤ أحد على معارضته , فاذا عرضت ابن تيمية فقد عارضت الصحابة والسلف كلهم , واذا عرضت الصحابة فقد عارضت النبى صلى الله عليه وسلم , اذن فلابد أن تسلم وترضخ له ,
3- استعمل ألفاظ ترهب الخصم , وكل من يفكر فى معارضة أقواله مثل : أجمع على ذلك السلف – وعلى هذا القول جماهير الصحابة والمذاهب الأربعة –لا يخالف هذا الا جهمى أو معطل , أهل التفويض هم أهل التجهيل , ومقولة التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد –الخ الخ ,
4- التناقض المحير , فقد طعن فى كل علماء الأمة ممن خالف رأيه , ثم كتب –رفع الملام عن الأئمة الأعلام –فترك أتباعه هذا الكتاب وطعنوا فى كل علماء الأمة ,
5- خلط الفلسفة وآراء الفلاسفة والمنطقيين بالفقه والعقيدة فى كتبه كلها , ورص الى جانبها الآيات والأحاديث , وهذا من أكبر العوامل التى ساعدت وعملت على الخلاف والشقاق , وخاصة عنما أيد مقولات –قدم العالم بالنوع –وقيام الحوادث بالذات –وتسلسل الحوادث فى الماضى –واجراء المتشابهات على الظاهر المتبادر الى الذهن بدل ردها الى المحكمات , وغير ذلك من الطامات , ونسب كل ذلك الى السلف وأهل الحديث ,
والآن –الآن –رفض أتباع ابن تيمية المذاهب الأربعة الفقهية المستقرة فى الأمة المجمع عليها من الأمة –رفضوها بالكامل ,
رفضوا المذهب الأشعرى , وطعنوا فيه وسفهوا علماءه وبدعوهم وفسقوهم , وجعلوا بغضهم تقربا الى الله تعالى ,
أخذوا طريق الظاهر وحملوا كل المتشابهات عليه , ورفضوا ردها الى المحكمات , وعادوا الأمة كلها على ذلك وجعلوا ذلك من اولويات الولاء والبراء ,
ما الحل ؟
هل من الحق والعدل والحكمة أن نستبدل الأمة كلها بابن تيمية ؟
هل من الحق والعدل والحكمة أن نستبدل , أبو حنيفة , والشافعى , ومالك امام دار الهجرة , والعالم المبجل أحمد بن حنبل , هل نستبدل كل هؤلاء الربانيون الراسخون بأمثال –ابن باز , والعثيمين , والألبانى ؟ مع احترام الجميع –ولكن هذا موقف دقيق يحتاج التجرد والإنصاف ,
الحل واضح يا سادة
المذاهب الأربعة فى الفقه وأصوله والفقه المقارن والقواعد الفقهية , رصيد الأمة وثروتها
والعقيدة الأشعرية بشقيها التفويض لمن أسلم واستسلم كالصحابة الكرام , فاذا لعب الشيطان برأسك فعليك بالعلاج –التأويل
لن تتقدم الأمة الا بهذا , وهذا هو المشروع السلفى الحقيقى
وبهذا أعلن فشل المشروع السلفى المزيف

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: