تهذيب النور في جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين وأهل القبور 28

وقد جعل الله تعالى في هذه الدنيا ملائكة لهم وظائف وأعمال ظاهرية وباطنية ويخدمون بها خلق الله تعالى بما أمرهم به الله.

قال الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره للآية الكريمة : {من الله ذي المعارج} سورة المعارج الآية (3)

وعندي فيه وجه رابع : وهو أن هذه السماوات كما أنها متفاوتة في الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر وقوتها وشدة القوة على تدبر هذا العالم (أي بحسب أمر الله تعالى لها) فلعل نور إنعام الله وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك الأرواح إما على سبيل العادة أو لا تفسير الفخر الرازي (24/122)

وقال أيضا رحمه الله تعالى في تفسير قول الله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم}: وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم تفسير الفخر الرازي (26/174).

ولقد سخر الله ملائكة لمعرفة وكتابة أفعال العباد بأمر منه جل وعلا وهو في الوقت نفسه ينسب المعرفة والكتابة لنفسه قائلا سبحانه: {إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} سورة يس الآية (12).

قال الإمام الطبري رضي الله عنه : أي ونكتب ما قدموا في الدنيا من خير وشر ومن صالح الأعمال وسيئها) صفوة التفاسير (3/8).

وقال تعالى في حق الملائكة {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} سورة ق الآية (18)).

وسخرهم أيضا لحفظ العباد وكذلك نسب الحفظ لذاته سبحانه وتعالى فقال: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين} سورة يوسف الآية (64)).

وقال سبحانه وتعالى أيضا في حق الملائكة {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} سورة الرعد الآية (11).

وسخر ملك الموت لقبض الأرواح وفي نفس الوقت أيضا نسب ذلك لنفسه سبحانه فقال: {والله خلقكم ثم يتوفاكم} سورة النحل الآية (70).

وقال عز وجل في حق الملائكة : {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} سورة السجدة الآية (11).

فالفعل في هذه الآية راجع لملك الموت بأمر الله وإذنه سبحانه .

وعلى هذا فإن الله تعالى قد أمد الملائكة بأسرار يحفظون بها عباد الله بتسخير منه عز وجل ، فهو فعال لما يريد فمهما ظهر من الملائكة الكرام من عجائب وغرائب لا يكون ذلك منهم على الحقيقة فهم مسخرون بأمر الله فقد قال عنهم ربنا تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} سورة التحريم الآية (6).

وقد جعل الله تعالى في هذه الدنيا لخلقه ما جعل للملائكة الكرام عليهم السلام من وظائف وأعمال ظاهيرة وباطنية وزودهم بإمدادات وقدرات نورانية فقد أكرم الله أنبياءه ورسله وأولياءه بشيء من الأسرار التي تجعلهم قائمين بها على نصرة دين الله ويمدون بها من شاؤوا بإذن ربهم ورضاه لإقامة دين الله جل جلاله وقال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في تفسير قول الله سبحانه: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} سورة البقرة الآية (255) أي لا يعلمون من علمه إلا ما شاء أن يعلمهم إياه بتعليمه(8) الأسماء والصفات للبيهقي ص (143).

وقال البغوي رحمه الله تعالى في تفسير قوله سبحانه في حق سيدنا الخضر رضي الله عنه : {وعلمناه من لدنا علما} سورة الكهف الآية (65) أي علم الباطن إلهاما) معالم النزيل في التفسير (3/584).

والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرفع درجة وأجل قدرا عند الله من الملائكة عليهم السلام فلذلك أمدهم ببعض صفاته وأجرى على أيديهم بعض الخوارق التي لو سمع بها من ينكر المدد لأول وهلة ولم يعلم أنها صدرت عن رسول مؤيد لحكم على قائلها بالكفر والخروج عن الملة فورا!! وأدل دلالة على هذا ما أجراه الله على يد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام فلنسمع إلى قول الله تعالى وهو ينسب إلى نفسه إحياء الموتى قائلا: {فالله هو الولي وهو يحيى الموتى وهو على كل شيء قدير}سورة الشورى الآية (9) ، ثم يقول في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام {وإذ تخرج الموتى بإذني} سورة المائدة الآية (110) ، وكذلك ينسب شفاء المرض اليه سبحانه وتعالى فيقول: {وإذا مرضت فهو يشفين} سورة الشعراء الآية (80) ، ثم يقول في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام: {وتبرى الأكمه والأبرص بإذني } سورة المائدة الآية (110)

وينسب الخلق إلى نفسه سبحانه وتعالى فيقول: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} سورة آل عمران الآية (49) ، ثم يقول في حق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني} سورة المائدة الآية (110)

وليس ذلك فحسب بل بعد أن أمد الله سيدنا عيسى بتلك الصفات نراه يتكلم بلسان المدد الإلهي فينسب الأسباب إلى نفسه والفعل الحقيقي إلى مسببها فيقول: {أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله} سورة آل عمران الآية (49) ، وهذه الآية أكبر دليل على جواز إطلاق مثل هذه الألفاظ على من جعل الله المقدرات على يديه من باب المجاز الذي لا سبيل لإنكاره كما مر معنا في باب التوسل.

ثم إن هذا في الحقيقة أعظم من كلمة مدد في مضمونها ودلالتها فالبركات والخيرات التي يمد الله تعالى بها أحدا من مخلوقاته يستفيد منها كل من حوله من المؤمنين فقد قال الله تعالى في حق سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام : {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك}سورة هود الآية (48) . أي وخيرات عظيمة عليك وعلى ذرية من معك من أهل السفينة صفوة التفاسير (2/17)

وقال القرطبي : دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة تفسير القرطبي (9/48)

ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير» أخرجه البخاري (2101) ومسلم (6635) وأحمد (4/408) وابن حبان (561) والطيالسي موقوفا (515) والقضاعي (1380) عن أبي موسى وأخرجه أيضا البغوي (3483).

وما يمد الله سبحانه وتعالى به رسله وأنبياءه إنما هو في سبيل إقامة الحجة ونشر الدعوة وقد علمنا أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأنبياء على الإطلاق كما قال صاحب الجوهرة رحمه الله تعالى: وأفضل الخلق على الإطلاق … نبينا فمل عن الشقاق

وبهذا يكون المدد المعطى له صلى الله عليه وآله وسلم من الله سبحانه وتعالى أرقى وأعظم من جميع ما أعطيه سائر الأنبياء والمرسلين لأن الله بعث كل نبي مبلغا وداعيا لقومه ولكن بعثة الحبيب المصطفى كانت للخلق كافة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: