تهذيب النور في جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين وأهل القبور 27

المدد

والمدد ايضاً ينطبق عليه ما قلنا فإذا قال المسلم: مدد يا الله أي أعنِّي وأمدَّني بقوتك وانصرني على عدوك وزدني بالرحمات والبركات وأمدني بالمقدرة على طاعتك ومحاربة نفسي وشيطاني .

وأما إذا قال مدد يا أولياء الله فمعناه علمونا مما علمكم الله وأمدونا مما أمدكم الله سبحانه به من العلوم والعرفان وساعدونا بما ينفعنا لسيرنا وأرشدونا في سلوكنا إلى محبة الله بإذن الله

إذا كان المسلم يعتقد أن الله تعالى بيده مقادير كل شيء فلا شريك معه في إيجاد أو إمداد وأنه هو الخالق الموجد المؤثر بقدرته وأنه يخلق على أيدي خلقه كلهم ما شاء فلا مانع من إسناد تلك المقادير إلى الأسباب التي تظهر على أيديها لسانا وهذا كإسناد تلك المقادير إلى الأسباب التي تظهر على أيديها لسانا وهذا كإسناد التثبيت إلى الملائكة بإذن الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ ِإذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ [الأنفال: 12]، وكإسناد الوهب بإذن الله إلى سيدنا جبريل عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً ﴾ [مريم: 19]، وكإسناد التدبير إليهم في قوله تعالى: ﴿ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ [النازعات: 5]، وكإسناد إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله إلى سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ﴾ [آل عمران: 49]، فيجوز للمسلم أن يقول: (مدد يا رسول الله) معتقدا أن الله ممِده ويمد به من شاء من خلقه.

وقد ذكر الشيخ الازهري حفظة الله

يترتب هذا على المعنى المقصود لدى القائل، فإن كلمة مدد ـ مرفوعة ـ هكذا على ظاهرها تشبه أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره أنت مدد أو هو مدد، أو تكون مبتدأ حذف خبره وحذف معه أيضا مسوغ الابتداء بالنكرة، فكأن التقدير مدد الله أنت سببه، أو هو سببه، أو سيدي فلان سببه، ومن الصور الدارجة أن تجد أحد الناس في مجلس فيأتي ذكر شيخ عارف كالبدوي مثلا، فيقول العامي مدد يا سيدنا البدوي، ولو سألت هذا العامي ما أراد بهذه الكلمة لم يتمخض كلامه عن شيء واضح، والذي يظهر من حاله أنها كلمة ظنها من المدح فاعتاد أن يطق بها دون فهم لمعانيها، فتشبه إذا أخذنا بظاهرها أن تكون كما تقدم من أنها في كلام أغلب العوام جملة من مبتدأ وخبر وكأن العامي يقول أنت مدد يا سيدي فلان أي أنت سبب المدد أو أنت في ذاتك مدد من الله لهذه الأمة، أو يقصد العامي إذا حصلت له حلاوة في نفسه من ذكر ولي فيقول مدد يقصد أنني أشعر بحلاوة سببها ذكرك فالمدد في قلبي وروحي سببه ذكر سيرتك فهذا وجه ..

المدد للشيخ يوسف خطار

معنى لفظ المدد : يختلف معنى كلمة (مدد) باختلاف نية قائلها . وورد في لسان العرب عن معنى كلمة مدد: مددنا القوم ، أي صرنا لهنا أنصارا ومددا . وأمدَّ الأمير جنده بالخيل والرجال وأعانهم وأمدهم بمال كثير وأغناهم..

والمدد : العساكر التي تلحق بالمغازي في سبيل الله والإمداد أن يرسل الرجل مددا). لسان العرب مادة (م د د )

وقال الإمام الفيومي رحمه الله تعالى : أمددته بمدد : أعنته وقويته به) . المصباح المنير مادة (م د د)

فإذا قال المسلم : مدد يا الله أي أعنِّي وأمدَّني بقوتك وانصرني على عدوك وزدني بالرحمات والبركات وأمدني بالمقدرة على طاعتك ومحاربة نفسي وشيطاني.

وأما إذا قال : مدد يا أولياء الله فمعناه علمونا مما علمكم الله وأمدونا مما أمدكم الله سبحانه به من العلوم والعرفان وساعدونا بما ينفعنا لسيرنا وأرشدونا في سلوكنا إلى محبة الله بإذن الله: وما كان هذا إلا لأن أكثر العباد فقدوا من يدربهم ويؤدبهم بالإسلام وبأخلاق سيد الأنام صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم بحاجة إلى من يعينهم ويمدهم بالعلم ويعلمهم أدب طريقة السير والسلوك والمدد بالمعنى الذي ذكرناه موجود حسا ومعنى في حياتنا فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الإنسان يستعين بوسائط النقل كالسيارة والطيارة والباخرة والقطار لقضاء الحوائج الدنيوية والانتقال بواسطتها من بلد إلى آخر لا يصل اليه الإنسان بدونها إلا بشق الأنفس هذا وإن البحارة والطيارين يستولون على وجهة سفرهم بحرا وجوا بواسطة قطعة معدنية يقال لها: البوصلة ترشدهم إلى الجهة المطلوبة ولا ينكر هذا فهل الاستعانة بالمعدن تخرج عن الملة؟! وهل ترفض مساعدة ثمينة يقدمها الينا من له خبرة في سلوك طريق محبة الله المحفوفة بشتى أنواع المخاطر للوصول من خلال ذلك المدد وتلك المساعدة بلا مشقة ولا تعب.. علما بأن أقل الأعداء في هذا الطريق النفس والشيطان والهوى..؟!

ومن هنا يظهر لنا أن الإنسان بحاجة إلى الاستعانة بأشياء كثيرة من مخلوقات الله لتمده بمدد قد سخره الله له على أيدي خلقه ومصنوعاتهم من أي نوع كانت. وهناك فرق بين مدد الخالق سبحانه ومدد المخلوق فكلمة مدد تأتي بمعنى المساعدة والمعاونة وهي مستحبة في كل أنواع البر بجميع الطرق التي أجازها الشرع الحنيف فاستعانة الناس بعضهم ببعض في الأمور لا مفر منها ولا غنى عنها والإنسان مأمور بها لا سيما في أمور البر والتقوى فقد قال الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}سورة المائدة الآية 2.

فالتعاون بين الخلائق هو المدد أي المساعدة ونصرة بعضهم لبعض فلو طلب الإنسان من بني جنسه الإمداد فليس بمعنى أنه يطلب منه كما يطلب من ربه ولكن بالمدد والقدرة التي أمده الله بها والإمداد بالمعنى المذكور على قسمين:

القسم الأول : هو مدد صرف من الله سبحانه وهو ما لا يتم على الحقيقة إلا منه ولا تكون الإغاثة للخلق إلا به سبحانه قال الله تعالى

{كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا}سورة الإسراء الآية (20)

والمعنى كما قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى :

نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار وأهل الطاعة وأهل المعصية( فتح القدير (3/217).

والقسم الثاني : وهو ما يجريه الله سبحانه على يد ملائكته الكرام بما آتاهم الله من القوة والأسرار وعلى يد أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بواسطة المعجزات وعلى يد أوليائه بطريق الكرامات.

والفرق جلي واضح جدا : وهو أن الله سبحانه يمد من يشاء من عباده من خزائن فضله ورحمته بالمعونة والإغاثة والنصرة على الكفار والمشركين متى شاء وكيفما شاء ولا يتوقف عطاؤه تعالى على إذن أحد أو رضاه وأما أنبياؤه وأولياؤه فلا يكون إمدادهم للطالبين إلا بإذن الله ومشيئته ورضاه وهو بالحقيقة مستمد من إمداد الله تعالى والأمثلة على ذلك كثيرة جدا .

Advertisements
Comments
4 تعليقات to “تهذيب النور في جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين وأهل القبور 27”
  1. غزاليك كتب:

    مهلا ! فقبل الإبحار بعيدا في لجات المدد ، مداه و موجده و موصله ، و قبل أن ننساق وراء نهج تيريري خطر لألفاظ تناقلها العوام أو الخواص وعوا معناها أم لا ، لننظر و لننتظر و لنتساءل : أين ستأخذنا المعاني المفترضة وراء هذه الألفاظ الخطيرة من نوع مدد يا ..! هل ستأخذنا إلي الاعتقاد بالصلاح المطلق لأفراد ماتوا و لا وحي منزلا ينبئ بيقين عن مكانتهم في الكون و عند ربهم ، علي النحو الذي نعرفه عن المبشرين بالجنة مثلا ؟ هل سنعتقد بأن لهم القدرة علي أن يسمعوأ و يعوا كل من هتف بأسمائهم آناء الليل وأطراف النهار ؟ و أي جند هو مسخر لهم كي يلبوا من خلالهم طلبات مريديهم التي لا تنقطع ؟ ثم لنسأل : أي نص شرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة يؤيد هذا التوجه الخطير بالأقوال و الأفعال المتوسلة نحوهؤلاء؟ “يتبع”

  2. غزاليك كتب:

    مهلا ! ألم نقرأ ” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلي الله والله يسمع تحاوركما” ، ألم نسمع “وإذ أسر النبي إلي بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به و أظهره الله عليه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا” ، ألا نتلو “و يعلمك من تأويل الأحاديث” ، ألا نجد “إني لأجد ريح يوسف” ، ثم أليس هناك أيضا “وقال الملك إني أري ..” ، ما هو الجامع بين هذه النصوص و أمثالها في الكتاب و السنة و الآثار المروية الأخري ؟ ، إنها رسائل تصعد و تنزل ، تروح و تجيء وفقا لحكمة العليم الخبير ، المطلع علي خلقه ، اللطيف بهم ، تمر أو تمرر في إرسالها (أو لاتمر !)بمن شاء الله من عباده و خلقه ، أنبياء و غير أنبياء ، أولياء أو غير أولياء ، أحياء يرزقون أو موتي منتقلين ، معروفين بذواتهم و أشخاصهم أم غير معروفين ، متوقعين أو غير متوقعين!! ، إذن أين التوسل في هذا كله ؟ و أسارع إلي القول بأن هذا التساؤل ليس في سياق إنكاري بل هو جار مجراه الاستفهامي المعتمد ، فإلي جواب ، “يتبع”

  3. غزاليك كتب:

    إذا أردنا الاختصار مع الوضوح لقلنا : التوسل هو مخاطبة الله مباشرة مع ذكر الشيء أو الشخص المتوسل به ، أما مخاطبة الشخص المتوسل به مباشرة فليس توسلا علي التحقيق ، إذن ما معني النداء علي الشخص أو طلب المدد منه ؟
    1- إذا كان الشخص حيا برزق حاضرا سميعا للنداء فهو مستعان به فيما يقدر عليه ، سواء بمعونة مادية بسيطة أو إرشاد أو دعاء أو حتي تشفع ، في هذه الحالة ينطبق لفظ التوسل علي الدعاء و التشفع لأن طلبك النهائي لن يكون بيد المتشقع به بل بيد المتشفع إليه القادر علي الإجابة الفعلية المباشرة ،
    2- إذا لم بكن الشخص المنادي حاضرا فما المعني إذن ؟ يعني تصور أنك تعيش في المدينة في عصر النبوة و أنك في مجتمعك في منزلك في نادبك ، بينما الرسول في بيته أو في شأن من شأنه لايحضرك و لاتحضره ، ثم قلت علي مسمع من حاضريك : يا محمد ! ، ماذا سيقول لك الناس ، بل ماذا سيقولون عنك ؟ ، أما بعد وفاة الرسول (ص)فإن نفس النداء سيفهمه الناس علي نحو آخر ، سيفهمون أنه تعبير عن شوق عظيم و افتقاد جسيم للحضرة الرسولية المطهرة ، قد لايكون لك طلب ما محدد ، و قد يكون لك طلب في مكنون ضميرك لا تفصح عنه ، لكن أتعتقد حقا أنك تطلب من الرسول ؟ إن الترجمة السليمة للنداء في هذه الحالة هي : يارب مستشفعا لديك بنبيك ! فلا يوجد هنا توهم أن الرسول يسمع نداءك مباشرة ، اللهم إلا من خلال “قنوات” خاصة يحددها رب العالمين ، علمنا بها أو ببعضها أم لم نعلم ، مثل ماذا ؟ مثل مانص عليه من سماع الرسول لسلامك عليه و أنت في حضرته الشريفة ، أو مثل ما نص عليه من حمل الملائكة لسلام أمته إليه و تمكين الله له من رد السلام علي أمته ، أو مثل ما تكاثر الخبر به من مشاهدة الرسول (ص) في الرؤي المنامية والتي وردت بذكرها نصوص أيضا ، أو حتي رؤي اليقظة مثلما عند بعضهم وفق سنة كونية لا نعلم عنها أو لم يأت شرع منطوق بذكرها ، “يتبع”

  4. غزاليك كتب:

    إذن و في السياق السابق ذكره : أين موقع الأقوال بصيغة النداء علي “الغائب” ، أو بصيغة “طلب”المدد ، وما موقع الأولياء بل و الأنبياء دون “محمد” صلي الله الله عليه وسلم ، و ما موقع القبور بترابها و بالمدفونين فيها ؟
    1- مدد يارسول الله = مدد با الله مستشفعين لديك بنبيك ،
    2- يارسول الله = شوفا إليك و تبركا بذكرك و تشفعا بك عندك ربك ، فيما يهمنا و ما يلم بنا من أمر الدنيا أو الآخرة ،
    3- مدد يا “فلان” من غير رسول الله (ص)= لايستحب أو لايجوز إلا أن يكون بعبارة صريحة مؤداها : اللهم إني أسالك كذا و كذا بحق وليك فلان ، وبراعي كما سبق ذكره و جود المستند الدال علي ولايته ، أو علي الأقل غلبة الظن بصلاحه وفقا لصحيح سيرته ، ويغلب علي ظني قوة الدعاء عند مجاورة القبر ، ليس لخصيصة القبر بل لخصيصة القوة في عاطفة الداعي حينئذ ،
    4- التشفع بشيء مادي أو معنوي : كالقرآن و الكعبة و حب الأولياء ،وصالح العمل ، و عموم الصالحين (أي بدون تعيين)،
    هذا و الله أعلم ، أستغفر الله .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: