تهذيب النور في جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء والصالحين وأهل القبور 22

فالله تعالى مُسْتَغَاثٌ فالغوث منه خَلْقًا وإيجادًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاثٌ والغوث منه تسببًا وكَسْباً، ولا فرق في هذا المعنى بين أن يُستعمل الفعل متعديا بنفسه أو لازما أو تعدي بالباء، وقد تكون الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم على وجه آخر، وهو أن يُقال استغثتُ اللهَ بالنبيِ صلى الله عليه وسلم كما تقول سألت الله بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيرجع إلى النوع الأول من أنواع التوسل، ويصح قبل وجوده وبعد وجوده، وقد يُحذفُ المفعول به ويقال استغثت بالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى . فصار لفظ الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم له معنيان:

أحدهما : أن يكون مستغاثا.

والثاني : أن يكون مستغاثاً به، والباء للاستعانة فقد ظهر جواز إطلاق الاستغاثة والتوسل جميعاً، وهذا أمر لا يُشَكُّ فيه، فإن الاستغاثة في اللغة طلب الغوث وهذا جائزٌ لغةً وشرعاً من كل من يقدر عليه، بأي لفظ عبر عنه كما قالت أم إسماعيل: أغث إن كان عندك غواث).

شفاء السقام ص187 .

أو مثلاً يقولون لهذا حكى ابن حجر الهيتمي إجماع الحنابلة على أن من يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم ويسألهم كفر إجماعا

فنقول :- كلان ابن حجر يعني من دعي من غير الله وسائط اي طلب منهم استقلالاً وكان دعائهم دعاء الوهية لهذه الوسائط وهذا واضح في كلامه وكلام جميع من استندوا إلى أقوالهم من جعل لله نداً يدعوه كدعاء الله فنسبوا إليهم الضر والنفع استقلالاً وليس بإذن الله فجعلوهم آلهةً مع الله .

وفي ذلك يقول الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله:

( من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله وصار بها بين أهل الإسلام مثلة أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم، وليس ذلك كما افترى، بل التوسل به حسن في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في الدنيا والآخرة )

فمما يدل لطلب التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم قبل خلقه وأن ذلك هو سِيرَةُ السلف الصالحِ الأنبياءِ والأولياءِ وغيرهم ، – فقول ابن تيمية ” ليس له أصل ” من افترائه – : ما أخرجه الحاكم وصححه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمداً ولم أخلقه ؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك – أي: قدرتك – ونفخت في من روحك – أي :سرك الذي خلقته وشرفته بالإضافة إليك بقولك: ونفخت فيه من روحي – رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ” ، والمراد بـ (حَقِّهِ) صلى الله عليه وسلم رُتْبَتُه ومنزلته لديه تعالى، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالى له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله تعالى بفضله لَهُ عليه كما في الحديث الصحيح ” قال فما حق العباد على الله ” لا الواجب ، إذ لا يجب على الله تعالى شيء، ثم السؤال به صلى الله عليه وسلم ليس سؤالاً له حتى يوجب إشراكا، وإنما هو سؤال الله تعالى بمن له عنده قَدْرٌ عَلِيٌّ ومَرْتَبَةٌ رفيعةٌ وجاهٌ عظيمٌ.

فمن كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه أن لا يخيب السائل والمتوسل إليه بجاهه، ويكفي في هوان منكر ذلك حرمانه إياه.

وفي حياته صلى الله عليه وسلم ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه – وقوله: إنه غريب أي: باعتبار أفراد طرقه – ” أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله لي أن يعافيني ، فقال: إنْ شِئْتَ دعوتُ وإن شِئْتَ صَبَرْتَ وهو خيرٌ لك، قال فادعه – وفي رواية – ليس لي قائد وقد شق علي، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في قضاء حاجتي لِتُقْضَى لِيْ اللهم شفعه فيَّ” وصححه أيضا البيهقي وزاد ، ” فقام وقد أبصر ” وفي رواية ” اللهم شفعه في وشفعني في نفسي ” وإنما علمه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يدع له لأنه أراد أن يحصل منه التوجه وبذل الافتقار والانكسار والاضطرار مستغيثاً به صلى الله عليه وسلم ليحصل له كمال مقصوده ، وهذا المعنى حاصل في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم استعمل السلف هذا الدعاء في حاجاتهم بعد موته صلى الله عليه وسلم ، وقد علمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته رضي الله عنه، وعسر عليه قضاؤها منه، ففعله فقضاها. رواه الطبراني والبيهقي.

وروى الطبراني بسند جيد ” أنه صلى الله عليه وسلم ذكر في دعائه بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي ” ولا فرق بين ذكر التوسل والاستغاثة والتشفع والتوجه به صلى الله عليه وسلم أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء وفاقاً للسبكي، – وإن منعه ابن عبد السلام، بل الذي نقله بعضهم عنه أنه منعه بغير نبينا صلى الله عليه وآله وسلم – وذلك لأنه ورد جواز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها أعراضاً؛ فالذوات الفاضلة أولى؛ ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توسل بالعباس رضي الله عنه في الاستسقاء ولم يُنْكَرْ عليه، وكأن حكمة توسله به دون النبي صلى الله عليه وسلم وقبره إظهارُ غايةِ التواضعِ لنفسه، والرفعة لقرابته صلى الله عليه وسلم ، ففي توسله به – أي: العباس – توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وزيادة.

لا يقال لفظ التوجه والاستغاثة يُوْهِمُ أن المتوجَّهَ والمُسْتَغَاثَ به أعلى من المُتَوَجَّهِ والمستغاثِ إليه؛ لأن التوجه من الجاه وهو علو المنزلة ، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى جاها منه ، والاستغاثة طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره؛ وإن كان ذلك الغير أعلى منه.

فالتوجه والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك، ولا يَقْصُدُ بهما أحدٌ منهم سواه، فمن لم ينشرح صدره لذلك فليبك على نفسه، نسأل الله العافية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

  • الحقوق محفوظة

    Creative Commons License
  • ارشيف المدونة

  • اقسام المدونة

%d مدونون معجبون بهذه: